القرطبي

317

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ألا أبلغ أبا حفص رسولا * فدى لك من أخي ثقة إزاري قال أبو عبيد : أي نسائي . وقيل نفسي . وقال الربيع : هن فراش لكم ، وأنتم لحاف لهن . مجاهد : أي سكن لكم ، أي يسكن بعضكم إلى بعض . الرابعة - قوله تعالى : " علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم " يستأمر بعضكم بعضا في مواقعة المحظور من الجماع والاكل بعد النوم في ليالي الصوم ، كقوله تعالى : " تقتلون أنفسكم " [ البقرة : 85 ] يعني يقتل بعضكم بعضا . ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم في نفسه بأنه يخونها ، وسماه خائنا لنفسه من حيث كان ضرره عائدا عليه ، كما تقدم . وقوله تعالى : " فتاب عليكم " يحتمل معنيين : أحدهما - قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم . والاخر - التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة ، كقوله تعالى : " علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ( 1 ) " [ المزمل : 20 ] يعني خفف عنكم . وقوله عقيب القتل الخطأ : " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله ( 2 ) " [ النساء : 92 ] يعني تخفيفا ، لان القاتل خطأ لم يفعل شيئا تلزمه التوبة منه ، وقال تعالى : " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ( 3 ) " [ التوبة : 117 ] وإن لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب التوبة منه . وقوله تعالى : " فعفا عنكم " يحتمل العفو من الذنب ، ويحتمل التوسعة والتسهيل ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله ) يعني تسهيله وتوسعته . فمعنى " علم الله " أي علم وقوع هذا منكم مشاهدة " فتاب عليكم " بعد ما وقع ، أي خفف عنكم " وعفا " أي سهل . و " تختانون " من الخيانة ، كما تقدم . قال ابن العربي : " وقال علماء الزهد : وكذا فلتكن العناية وشرف المنزلة ، خان نفسه عمر رضي الله عنه فجعلها الله تعالى شريعة ، وخفف من أجله عن الأمة فرضي الله عنه وأرضاه " . قوله تعالى : " فالآن باشروهن " كناية عن الجماع ، أي قد أحل لكم ما حرم عليكم . وسمي الوقاع مباشرة لتلاصق البشرتين فيه . قال ابن العربي : " وهذا يدل على أن سبب الآية جماع عمر رضي الله عنه لا جوع قيس ، لأنه لو كان السبب جوع قيس لقال : فالآن كلوا ، ابتدأ به لأنه المهم الذي نزلت الآية لأجله .

--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 51 . ( 2 ) راجع ج 5 ص 327 . ( 3 ) راجع ج 8 ص 277 .